أحمد زكي صفوت
278
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وقال أعرابي : « لقد كنت أنكر البيضاء ، فصرت أنكر السوداء ، فيا خير مبدول ، ويا شرّ بدل ! » . * * * وذكر أعرابي منزلا باد أهله فقال : « منزل واللّه رحلت عنه ربّات الخدور ، وأقامت فيه رواحل « 1 » القدور ، وقد اكتسى بالنّبات كأنما ألبس الحلل ، وكان أهله يعفون « 2 » فيه آثار الرياح ، وأصبحت الريح تعفو آثارهم ، فالعهد قريب ، والملتقى بعيد » . * * * وذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم فقال : « أعين واللّه كحلت بالعبرة بعد الحبرة « 3 » ، وأنفس لبست الحزن بعد السرور » . * * * وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم فقال : « كانوا واللّه في عيش رقيق الحواشى ، فطواه الدهر بعد سعة ، حتى لبسوا أيديهم من القرّ « 4 » ، ولم أر صاحبا أغرّ من الدنيا ، ولا ظالما أغشم « 5 » من الموت ، ومن عصف عليه الليل والنهار أردياه « 6 » ، ومن وكّل به الموت أفناه » . * * * ووقف أعرابي على دار قد باد أهلها فقال : « دار واللّه معتصرة للدموع ، حطّت بها السحاب أثقالها ، وجرّت بها الرّياح أذيالها » . * * *
--> ( 1 ) الرواحل جمع راحلة : وهي في الأصل : الناقة الصاحة لأن ترحل ، والمراد هنا الحوامل التي تحمل القدور ، أي الأثافى . ( 2 ) عفا المنزل : درس ، وعفته الريح ، يتعدى ويلزم ، وبابهما عدا ، وعفته الريح أيضا بالتشديد المبالغة . ( 3 ) الحبرة : السرور . ( 4 ) القر مثلث القاف : البرد . ( 5 ) أعلم . ( 6 ) أهلكاه .